أبي منصور الماتريدي

575

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

الذين كذبوها . هُمُ الْكاذِبُونَ . قوله تعالى : [ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 106 إلى 111 ] مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ ( 106 ) ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ ( 107 ) أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ ( 108 ) لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخاسِرُونَ ( 109 ) ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِنْ بَعْدِ ما فُتِنُوا ثُمَّ جاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ( 110 ) يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ( 111 ) وقوله - عزّ وجلّ - : مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ . قوله : مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ يحتمل وجهين - حيث ذكر من كفر بالله - : أحدهما : كفر بالله في زعم المكره ؛ لأنه أكرهه به ففي زعمه كافر بالله ؛ لطلبه ذلك منه ، وهو كقوله : فَراغَ إِلى آلِهَتِهِمْ [ الصافات : 91 ] : في زعمهم ؛ لأنهم لم يكونوا آلهة ، وكقوله : وَانْظُرْ إِلى إِلهِكَ [ طه : 97 ] : سماه إلها ؛ لأنه - في زعم السامري - إله . والثاني : من كفر بالله شارحا صدره بالكفر - هو الكافر به حقّا ، وأما من أظهر الكفر بلسانه بالإكراه ، وقلبه معتقد بالإيمان على ما كان مطمئنّا به - فهو ليس بكافر . وأصله : أن من اعتقد مذهبا [ أو دينا ] « 1 » أن يعتقده بخصال ثلاث : إحداها : يقلد آخر ؛ لما رآه « 2 » أبصر وآخذ وأعلم فيه ، وهو لا يبلغ ذلك ، فيقلده ؛ لفضل بصره وعلمه فيه ورأيه . والثانية : يعتقد للشبهة ؛ لما يتراءى عنده أنه الحق ؛ فيعتقده لذلك للشبهة التي ذكرنا . والثالثة : [ يعتقد لما ] « 3 » يتضح له الحق فيعتقده . فلهذه الوجوه الثلاثة يعتقد من يعتقد دينا أو مذهبا ، فأما أن يعتقد الإنسان مذهبا مجانا على الجزاف فلا ؛ فكأن إظهار كفر هذا لإكراه من أكرهه لم يصر كافرا . وأصله أن الإيمان والكفر إنما يكونان بالاختيار ؛ فإن الإكراه يزيل اختيار من كفر ؛

--> ( 1 ) في ب : ودينا . ( 2 ) في أ : رأى . ( 3 ) سقط في أ .